الشيخ محمد هادي معرفة
28
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أنكروا على حمزة كثيرا من قراءاته ، ولم يكن يعبأ بهم لقوّة ما كان يراه من حجج . « 1 » وهكذا استبدّ ابن شنبوذ بما كان يراه صحيحا وإن كان على خلاف المرسوم العثماني ، فعقد لاستتابته مجلس بحضرة الوزير ابن مقلة ، فأغلظ في الكلام عليهم أوّلا ، حتى أمر الوزير بضربه سياطا ألجأته إلى إعلان توبته مقهورا عليه . « 2 » وانعقد مجلس آخر لأبي بكر ابن مقسم ، الذي كان يختار من القراءات ما بدا له أصحّ في العربية ولو خالف النقل أو رسم المصحف . « 3 » نعم لم يكن إنكارهم على أمثال هؤلاء لجانب تحكيمهم للآراء والأذواق الاجتهادية ، بل لجانب خروجهم عن موافقة مرسوم الخطّ ، فالقراءة إذا كانت متوافقة مع ظاهر الرسم فلا تعد منكرة . وقد كانت ميزة القرّاء السبعة وغيرهم من المشهورين المعتمدين ، هو التزامهم بموافقة الرسم خطّا ، كما يحدّثنا أبو محمد مكي بأنّ حفصا قرأ « كفوا » بالواو ، فخفّف الهمزة واوا . وكان حقّه أن ينقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ، فيقول : كفا ، لكنّه رفض ذلك لئلّا يخالف الخط ، فأعمل الضمّة الأصليّة . ومن ثمّ تلك المحاولات لتوجيه القراءات الشاذّة ، بل لمطلق القراءات إذا كانت موافقة للرسم . انظر كيف يوجّه الدمياطي قراءة حمزة : « وَاتَّقُواللّه الّذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامِ » « 4 » بجرّ الأرحام عطفا على الضمير المجرور بالحرف ، وفق مذهب الكوفيّين . « 5 » ويوجّه قراءة ابن عامر : « وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِكَثيرٍ مِنَ الْمُشرِكينَ قَتْلُ أَولادَهم شُرَكائِهِمْ » « 6 » قرأ « قتلُ » مرفوعا نائب فاعل ل - « زُيِّنَ » التي قرأها مبنيّة للمفعول . ونصب « أولادَهم » على أنّه مفعول به
--> ( 1 ) - تهذيب التهذيب لابن حجر ، ج 3 ، ص 27 . ( 2 ) - غاية النهاية ، ج 2 ، ص 54 . ( 3 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 214 ؛ وغاية النهاية ، ج 2 ، ص 124 . ( 4 ) - النساء 1 : 4 . ( 5 ) - إتحاف فضلاء البشر ، ص 185 . ( 6 ) - الأنعام 137 : 6 .